من الوعي بالذات إلى تحسين الذّات | مقال مترجم

مقال للإنتقال من الوعي الذاتي إلى التحسين الذاتي

مقال مترجم عن مجلة هارفرد بيزنس ريفيو harvard business review.

من المعلوم أنه على القادة التمتّع بوعي ذاتيّ مرتفع ليحققوا النجاح. أي أن يفهموا نقاط قوتهم وضعفهم، مشاعرهم وأفكارهم وقيمهم، وكذا تأثيرهم في من حولهم. لكن الحكاية لا تكتمل هنا، فلا قيمة للوعي الذاتي إن لم تصحبه مهارة أخرى لا تقل عنه أهمية وهي ” إدارة الذات“.
أحد زبائني ولنطلق عليه اسم “ريك” يعد مثالا مناسبا لهذا، إذْ كان زملاءه يخبرونه دوما بأنه يكثر ويطيل في الكلام خلال الإجتماعات. أخبرني أنه يريد أن يحسّن من سلوكه وأن يتعلم أن يكون فردا فعالا في فريقه ليساعدهم في اتخاذ القرارات الصائبة. وبعد أحد الإجتماعات التي احتكر فيها الحديث لثلث الوقت طلبت منه أن يقيّم كلامه فقال: ” أعلم أني تحدثت كثيرا لكن كان هناك الكثير من النقاط التي علي التطرق إليها” ثم استمر يحدثني عن أفكاره. “ريك” ذو وعي مرتفع بذاته لكنه ليس فعالا بالقدر الذي يمكنه أن يكون، لسبب بسيط وهو أنّه لا يدير ذاته جيدا.
إدارة الذات قرار واعي لمقاومة اختيار أو عادة، وإنتهاج سلوك أكثر إنتاجية بدلا منهما. إدارة الذات عملية من أربع خطوات:

  1. كن حاضرا: ركز اهتمامك على ما يحدث الآن، لا على ما قيل قبل 15 دقيقة، أو ما سيحدث في الاجتماع القادم!
  2. كن واعيا بذاتك: ماذا ترى، ماذا تسمع، مالذي تشعر به، مالذي تفعله، مالذي تقوله، وما هي التحرّزات التي تناقشها في ذهنك؟
  3. حدد مجموعة من السلوكات الممكنة: ماذا تريد أن تفعل لاحقا؟ ما هي النتائج المحتملة لكل خيار؟ ما هي النتائج وردود الأفعال التي حصّلتها سابقا؟ ما هي الخيارات الأخرى التي يمكن أن تسلكها -حتى لو كانت مخالفة لما تعودت أو ما تريد-؟
  4. اختر بوعي السلوك الأكثر إنتاجية: ما هو الخيار الذي سيعود عليك بأكبر منفعة؟ حتى إن لم يكن الخيار الأسهل!

تطبيق الخطوات السابقة في حالة “ريك” سيكون كالتالي:

  1. كن حاضرا: “أنا مركّز على هذه المحادثة، أستمع باهتمام لتعليقات الجميع، وأنتبه لما يجري حولي.”
  2. كن واعيا بذاتك: “ألاحظ أني جد متحمس لمشاركة أفكاري، أريد أن أطرح مثالا. كما ألاحظ أن كثيرين ممن في هذه الغرفة يحاولون الكلام أيضًا، أعلم أنه لديّ ميل للإكثار من الكلام، مما يمنع الآخرين من مشاركة أفكارهم.
  3. حدد مجموعة من السلوكات الممكنة: أستطيع شرح أفكاري، طرح سؤال يثري النقاش، دعوة الآخرين لمشاركة أقكارهم، أو الاِستماع بصمت.”
  4. اختر بوعي السلوك الأكثر إنتاجية: “سأكف عن التعليق وأكتفي بالاستماع لما يقوله الآخرون. رغم أني أرغب بالإدلاء بأفكاري إلا أنه قد قيل لي مرارا أني أتكلم بكثرة ولا أترك للآخرين فرصة الكلام.”

إدارة الذات أمر صعب بالتعريف، فأكثر السلوكات إنتاجية لا تتوافق مع عاداتنا وتفضيلاتنا في غالب الأحيان، وإلا لما احتجنا لإدارة ذواتنا!

التصرف بطريقة غير متوافقة مع تفضيلاتنا قد يجلعنا نشعر بعدم الراحة (” عادة ما أبادر بالإجابة حين يتعلق الأمر بفقرة الأسئلة والأجوبة، جراء قلقي من سوء فهم الآخرين”)، وقد يجعلك تشعر بقلة الحيلة (“لا أعرف كيف أصوغ انطباعاتي السلبية”)، وقد يجعلك تشعر بعدم الرضا حتى (” أتحدث بطريقة مباشرة وغير متأنية في الأوقات التي يجب علي انتقاء كلماتي فيها بدقة”).

التفاعل بطريقة مناقضة لعاداتنا يسبب مشاعر سلبية مماثلة. أما حين نفعّل عاداتنا فإن دماغنا ينشئ اختصارات، فينتقل من التحفيز إلى الإستجابة بدون تفكير، موفّرا كلًّا من الجهد والوقت. لكن السلوكيّات الغير معتادة تتطلب منا التفكير حول الوضع، وأخذ كل الخيارات بعين الاعتبار، فاتخاذ قرار، ثم انتهاج السلوك المناسب، كل هذا يتطلب جهدا. فعالية القيادة الذاتية للعادة هو ما يجعل تغييرها صعبا. فأسهل للإنسان وأكثر إرضاء أن ينجرّ خلف عاداته من أن ينفق طاقته محاولا إنشاء عادات جديدة.

رغم هذه الحواجز فإن إدارة الذات مهارة يمكن تعلمها، ويمكنك أن تبدأ بهذا الشكل:

  1. قرر متى ستدير ذاتك: انتبه لسلوكياتك الإعتيادية، ما الذي تقوله وتفعله وما الذي لا تقوله ولا تفعله. حدّد اللحظات التي لا تسير كما يرام بسبب نقص إدارة الذات. مثل كونك تفقد السيطرة على لسانك مثلما يفعل “ريك” ربما.
  2. لاحظ وتأمّل ما يعرقل إدارتك لذاتك: عند اللحظات التي تريد فيها إدارة ذاتك ولكنك لا تفعل، لاحظ شعورك ورغباتك، وكيف تتفاعل مع ما حولك. ما سبب ما تقوم به؟ أهو نقص الوعي الذاتيّ في تلك اللحظة؟، أم أنك تهتمّ لمظهرك في أعين الآخرين؟ نقص في المهارات؟ شعور بعدم الأمان؟ أم هو شيءٌ آخر؟ إن كنت تتكلم كثيرا في الإجتماعات مثلا فلتضع في حسبانك سبب القيام بذلك. قد تكون معجبا بأفكارك أكثر من افكار الآخرين، أو ربما فقط لم يحدث أن تكلّمت قليلا! وللذين يميلون للأفعال منّا وقد قرروا تجاهل هذه الخطوة أقول: ” احذروا ولا تفعلوا!” ففهم أسباب اختياراتنا أمر أساسي لتغييرها.
  3. خذ بعين الاعتبار الخيارات المتاحة ورد فعلك نحوها: إن كنت تدير ذاتك بشكل جيّد فمالذي يمكنك فعله بدلا من سلوكياتك المعتادة؟ ما هي ردود أفعالك تجاه تلك الخيارات؟ وهنا ستظهر اليد الخفية لعاداتك وتفضيلاتك، لذا اسأل نفسك “مالذي أحاول تجنبه باتباع عاداتي وتفضيلاتي الإعتيادية؟”. بالعودة للمثال السابق فإنك تملك خيار انتظار الآخرين قبل الإدلاء برأيك، الآن ما ردود فعلك تجاه هذا الخيار، هل تخاف أن يدلي أحدهم بنفس وجهة نظرك ثم يحصل على المديح بدلا منك؟ أم أنك خائف من أن يتبعوا رأيا مخالفا لرأيك فينتهي بهم المطاف باتخاذ قرارات خاطئة؟
  4. ضع خطة: والآن بما أنك تعرف دوافع سلوكياتك وتعرف ما يجب عليك تغييره، وقدد حدّدت بعض الخيارات البديلة فقد حان الوقت لوضع خطوات عملية. إذا كنت تتكلم كثيرا في الإجتماعات فخطّتك ستتضمّن خطوات مثل: تقرير عدد المرات التي ستتكلم فيها خلال اجتماعاتك، وتحدبد الاجتماعات التي ستلتزم فيها بالصمت.
  5. تمرّن: العادات القديمة موصولة في أدمغتنا بشكل متين ومحكم، لذلك فتغييرها يعني إنشاء مسارات عصبية جديدة أي عادات جديدة، وهذا يتطلب الكثير من الممارسة. وإن أردنا البقاء مع نفس المثال فإن التمرّن إن كنت تكثر الكلام في الإجتماعات سيكون بعدّ عدد المرات التي تتكلم فيها ثم التوقف فوريا حين تبلغ الحد الأقصى، حتى إن كان في جعبتك مزيدا من “النقاط الهامة” التي لا تريد تفويتها. كرّر هذا الفعل باستمرار حتى تصبح قادرا على ضبط نفسك وإدارة ذاتك. وفي نفس الوقت انتبه لردود فعلك لهذه التمرينات. مالذي يمكنك تعلمه من خلال ما تفعله ومن خلال ردود الفعل والذي يمكن أن يحسّن من تمارينك؟
  6. كرّر العملية: عد إلى الخطوة الثانية وراقب جهودك، حدد خياراتك وراجع الخطة، وتمرن أكثر بقليل. بعد كل محاولة ستتعلم أكثر عن ممارساتك وعن الدوافع الفِعليّة وراء أفعالك وستتعلّم كيف تحسّنها.

إنه لمن الطبيعي أن نتصرف بطرق معتادة ومريحة (ولا ندير ذواتنا) لكن إن فعلنا هذا طوال الوقت فإننا لن نتحسّن أبدا في أية ناحية من نواحي حياتنا. ولكي يصل القادة إلى مستويات عليا من الإنتاجيّة فعليهم أن ينتقلوا من الوعي بالذات إلى إدارة الذات.

أفِد غيرك! شارك التدوينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *