الفتنة وغرداية | مراجعة كتاب

غلاف كتاب الفتنة وغرداية لنصر الدين الشيخ بالحاج

تجميعة لبعض الأخبار المملة التي لا يربط بينها إلا تزامنها مع فتنة غرداية، هكذا كنت أرى كتاب “الفتنة وغرداية لنصر الدين الشيخ بالحاج” حين قرأت بضع صفحات منه أول مرة وقررت أنه خيب آمالي فألقيته!
بالحديث عن آمالي وتوقعاتي التي استقيتها أول ما استقيتها من عنوان الكتاب الواصف للنسيج الزمكاني، فترة الفتنة وأحداث غرداية بداية من 2013 في ولاية غرداية عموما وقصور وادي ميزاب خصوصا، تخيلت أنه قد يكون كتابا سرديا تحليليا يتحدث عن أسباب الفتنة، محرضيها ومروجيها، وحتى مخططيها! لكن بالطبع هذا لم يكن إلا خيالا فعلى افتراض أن شخصا يملك كل هذه المعلومات فلا أظنه يتجرأ على نشرها في كتاب إلا إن كان إنتحاريا ربما، أو شخصا ميّتا في مذكراته!
قبل أن أرمي الكتاب، كان قد لفت انتباهي ذكر الكاتب في المقدمة أنه لم يستعمل قلما ولا حاسوبا في إعداد كتابه ونشره (حسنا، هل هذا أمر يدعو إلى الافتخار؟!) بالطبع لا، لكن هذا ينبئنا كيف يمكن لعقل نبيه متَقد، أن يقوم بالإنجاز تحت أي ظروف، والأهم من ذلك ينبهنا هذا إلى أننا عادة نقع عبيدا تابعين للوسائل التي نظن أنه لا غنى لنا عنها في إنجاز أمورنا، فيما لو فكرنا خارج الصندوق قليلا لأمكنا الإبداع بأقل قدر من الوسائل، بل حتى عند انعدامها!
(كيف كتب كاتبنا كتابه إذا؟) لقد نسج حروفه نقرا على الهاتف، ثم نشره على الفايسبوك وكان التواصل مع المطبعة بنفس الطريقة! وهنا يلفت نظرنا مرة أخرى لإمكانيات وسائل التواصل الإجتماعي، إذ يمكننا أن نرغم الناس على قراءة كتاب كامل بالتقطير منشورا فمنشورا، دون أن يدركهم الملل والسّأم.
المهم بعد مرور فترة من الزمن عدت للكتاب بنظرة أكثر تفحصا، عدت بنظرة المواطن الذي يريد فهم الأمور، لا بنظرة القارئ الذي يريد تمضية وقته ببعض المطالعة المسلية، كانت صياغة المواضيع تتطلب الكثير من التركيز كونها كتبت على شكل تعليقات على أحداث جارية غالبا، كما أنه تعمّد التلغيز والتلميح، وابتعد عن الوضوح في الاتهام ربما نظرا لحساسية المسألة وتجنبا للملاحقات القضائية.
صيغت كل العناوين بطريقة فنية تعكس الفكرة الأساسية للكتاب إذ وظف الطباق والتضاد، لتبيين التناقضات الصارخة المسيطرة على المشهد “الغرداوي” وليحاول فك بعض العقد المستعصية في حبال الفتنة، بعض العقد نفسية كامنة في النفوس وبعضها الآخر سياسي يصعب عمل النزهاء والمصلحين.
مقالات الكتاب* مفتوحة على كل التأويلات لكونها صيغت بطريقة تلغيزية، إذ يعرض أحداث لا صلة بينها في الظاهر ليكشف الظواهر الكامنة وراءها، ولتفادي الفهم السيء على المرء أن يهتم بفك شيفرة العنوان.
أعرض هنا بعض التناقضات والمآسي التي سلط عليها الضوء ووثق أدلتها:

  • محاولة تطمين الرأي العام الجزائري (والدولي ربما) عبر المغالطات ودون محاولات جادة لإصلاح الفتنة.
    القدرة العالية للدولة الجزائرية في حل بعض المشاكل الأعقد من فتنة غرداية مقابل نوايا لتعقيد الوضع بغرداية أو للسماح للوضع بالتعفن.
  • تفشي الطائفية العمياء عن الحق المبتورة الإنسانية في مجتمع من المفروض أن يكون مسلما أو إنسانيا في أقل الظروف.
  • التآمر على غرداية والاستتار على المتآمرين.
  • تركيع المبادرات وتعطيل الطاقات الخيرة.
  • التعامل الإعلامي المضلل.
  • العدالة المريضة.
  • انحياز السلطة لبعض الأطراف مساهمة في تأزم الوضع.

وبدَلًا من أن يجيب الكتاب على تساؤلاتي المسبقة، فإنه قد هيّج فيّ تساؤلات أخرى أدرج منها ما يلي:

  • هل كانت غرداية حقا أنموذجا في التعايش السلمي عبر تاريخها؟ إن كان ذلك صحيحا فلم بنيت الأسوار؟ أم أن التعايش لم يكن شاملا لكل الطوائف؟
  • هل تواجد نموذجين إجتماعيّين مختلفين (إقتصاديا، سياسيا ،ثقافيا، مذهبيا، عرفيا …) في نفس الإطار الجغرافي أمر صحي في ظل الدولة القطرية؟ وهل يمكننا أن نصل لرؤية غرداية النبض الواحد أو غرداية التعايش والتسامح؟ (التسامح الحقيقي لا الظرفي المبني على الخوف والكره).
  • هل هناك من يستثمر في حالة الفتنة ويؤججها؟ هل كان ذلك ضمن إطار صراع الأجنحة؟
  • من المستفيد/المستفيدون من أزمة غرداية؟
  • هل من الحكمة السعي وراء الأمن والهدوء مع إغفال استئصال جذور الفتنة الباقية؟

تقييم الكتاب: 4/5. إذ أنّ مجرّد قراءة الكتاب تثير مجموعة من الأسئلة المهمومة التي تنتظر من يقوم باجابتها من أولي الحلّ والعقد بالمبادرات الفعليّة لا بالتنظيرات. وأظن أن ما يحسب للكتاب نجاحه في المحافظة على جزء من ذاكرة المجتمع، وتوثيق أخبار كانت لتنسى بمجرد انتهاء النشرة الإخبارية، مع إخراجها من كونها أخبارًا عاجلة إلى أخبار فاضحة للأزمات والمشاكل، وبهذا فإن قراءة الكتاب تصبح ضرورة لكل من يريد فهم أبعاد أزمة غرداية أو إيجاد حلول لها من السياسيين والنشطاء المدنيين. وحسنة أخرى تضاف للكاتب هو محاولته تنوير الرأي العام وإشراكه في العملية السياسية بشفافيته مقابل التعتيم والتعتيم الذي ألفناه (كمجتمع ميزابي) من عِليّة القوم.

لا بد في الأخير أن ننوه إلى أن قدرة الكاتب (نصر الدين الشيخ بالحاج) على الإحاطة بجوانب متعددة من الأزمة راجع لتقلده منصب نائب رئيس المجلس الشعبي (طيلة الأزمة) إضافة لبعض المناصب في منظمات المجتمع المدني العرفية والرسمية.


*أو إدراجاته كما يسميها الكاتب، وهذا أدق لأنها لا تتجاوز السبع أسطر في الغالب.

أفِد غيرك! شارك التدوينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *