الورقة الصفراء الأخيرة!

قادتني الأقدار صباح اليوم إلى شارع لم أمش فيه منذ مدة، وعلى حافته انتصبت شجرةٌ قصيرة الطول، طويلة العمر، لم أنتبه لها لأنه لم يكن يشغل البال سوى مهمّة توصيل الخبز للمنزل سالما من قضمات خائنة أو أيادي غادرة، أما الشجرة نفسها فلا بد أنها انتبهت لمروري لكثرة ترددي عليها، في الحقيقة لها من عمل غير مراقبة الغادي والرائح، لا بد أنها عرفتني لأني  طالما قفزت أمامها حين كنت صغيرا أحاول عبثا التقاط عصافير السنونو العمياء بقفة الخبز. الخبز هو السبب الوحيد الذي يجعلني أسلك هذا الطريق، هذا الطريق الذي يشبهني كثيرا، يستيقظ باكرا ليخدم آلافا من البشر ثم يغفو طيلة ساعات العمل للبشر الاعتياديين ولا يستيقظ إلا حين عودة الجموع، يعمل ساعات قليلة، كذلك أنا وذلك مثل قلبي، يتحمس في لحظات التخطيط والأحلام فيرفع البنايات ذوات الطوابق الشواهق عديمة العمد والأسس، ثم يغفو ساعات النهار ساعات العمل والذروة، ليتركني وحيدا أتجرع جرعات الحياة مجردة من أية حلاوة. اللحظات الحلوة قليلة لكن قلبي لا يفوتها أبدا، يتصيدها بمهارة بعيدة جدا عن مهارتي في اصطياد السنونو، أو لنقل مناقضة لها لأنني لم أصطد من السنونو إلا ما اصطدم بجدار منزلنا تائها. يكره قلبي أن يسير أوقات الذروة في هذا الشارع، كما يكره الشارع نفسه ذلك، ولا بد أن هذه نقطة الالتقاء بيننا وبين الشجرة، أنا أكره ذلك لأن مساري عادة ما يعاكس مسار الحشود، هذه الحشود التي تسير وكأنها تعلم ما تفعل، أكره زيفها وادعاءها أنها موقنة بالمصير وملمة بخطوات المسير، الشجرة لا تحبهم لأنهم كثر ومتغيرون، وأكثر من ذلك متشابهون جدا، نفس طريقة المشي نفس الوتيرة، بل حتى نفس أحاديث الصباح المملة، هي تحب التائهين الذين يعيشون تيههم تحب الغرباء وتحب الأطفال الذين لم يتقولبوا ولم يختاروا طريقة للمشي، تحب من لم تغتل الحياة الطفل داخله، مثلما كنت دوما: تائها وحيدا أطارد السنونو بخفة أوقات القيلولة حين تستعرض شمس الصيف عضلاتها أو قبيل حلول الظلمة حين تلملم شمس الشتاء شرائط أشعتها المتناثرة، كنت أعاكس هذه الحشود والأجسام التي ترفض أن تعترف بتيهانها، فتغرق جراء إنكارها في بحر لجي من أوهام الراحة والأمان. هذه الحشود تؤجل دوما لحظة الضياع إلى المستقبل، يظنون أن العقدة ستنحل يوما ما بذلك، وأنه سيأتي اليوم الذي تعالج فيه العقدة نفسها لكن ليس اليوم بل غدا، وهذا الغد لا يأتي أوانه أبدا. يظنون أن تأجيل المشكلة يمنح لهم وقتا ليعيشوا بهناء، وحين تحين لحظة الموت يمر عليهم شريط حياتهم وقد عاشوه على الهامش، الهامش الذي صنعوه وجعلوه حاجزًا بينهم وبين الحياة، الهامش الذي يجعل الجميع يرضى عنهم دون أن يرضى الطفل داخلهم، عاشوا فيه أجساما بلا أرواح. كنت دوما ما أرفض أن أؤجل التيهان، كنت أريد أن أعالجه عاجلا، لكن قلبي يخذلني في أوقات الذروة. أوقات الحسم هي المفضلة لديه ليغفو، يدلني على بذار الحل وأماكن الزرع ولا يستيقظ إلا إن شم رائحة الخبز وقد استوى طازجا. وفيما بين اللحظتين يتركني وحيدا أتخبط كطائر السنونو، وقد أسقط كل عام مرة أو مرتين في قفة أو أحصر بين جدارين، أتطلع إلى ما لدي وما بين يدي، ثم أستشرف المستقبل فيدفعني قلبي عاليا، وبقدر العلو تكون شدة السقوط، وحين السقوط أقول مثلما تقول الحشود (دون أن تقول حقا لأنّها لا تجرأ) ” هل لوجودي من سبب؟!” فتأتي الإجابة من آلاف يسلكون الطريق دفعة واحدة، ومن آمال تحط على القلب كسرب من طيور السنونو أن “نعم، فقم!” فأتخبط أنا في متاهة دائرية أبدية.

صباح اليوم كنت أمشي مشية تائه يخدع نفسه ويسير قاصدا وكأنه يدرك ما يفعل، فمررت بالشجرة الطويلة العمر القصيرة الطول، ولأن مهمة توصيل الخبز كانت كلما يشغل بالي، ولأني لم أعد أرى الجمال حولي، ولأن الحياة خنقت الطفل المندهش فيّ فإنّي لم أنتبه لها، حزنت الشجرة على حالي فأرسلت إحدى وريقاتها الذابلة، أخذتها الريح في حركة انسيابية اعتدتها ثم فجأة عادت لتسقط أمامي تسعتطفني أن أندهش، وأصلها بنظرة طفوليّة، تأملت سقوطها، كانت الورقة الصفراء الأخيرة، التفت للشجرة مبتسما أخبرها أني فهمت، فهمت أن تساقط نفوسنا القديمة قد يشغل فصلا أو إثنين وثلاث، وأن اخضرار أرواحنا لا يكون بعد سقوط كل أوراقنا الصّفراء بالضّرورة، وأنّه يمكننا أن نزهر قبل الرّبيع، وأنّه هناك متّسع للأخضر بوجود الأصفر، فهمت أن الربيع لا بد آت، والخريف لا بدّ زائل، استيقظ الطفل حينها، أخذ قلمي وخط على الورقة سطورًا قال في بدايته “قادتني الأقدار صباح اليوم إلى شارع”.

أفِد غيرك! شارك التدوينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *