رأينا اللّامرئي!

قبل سنتين من الآن وقفت كاثرين باومان بنت السبع والعشرين ربيعا حينها في مسرح TED لتقول للعالم أنه يمكننا تصوير ما يستلزم تعريفه استحالة رؤيته! ثم تمادت في فكرتها لتقول أن العمل على ذلك قد بدأ فعلا!

  • ما هذا الجنون؟ ما لا يمكن رؤيته لا يمكن رؤيته أبدا، نقطة انتهى.

رويدك صديقي، لو سألت عن ماهية هذا الذي لا يرى أولا.

  •  ما هذا الذي لا يرى؟ سكت لحظة ثم أضاف: أولا.

نحن هنا نتحدث عن الثقب الأسود، وهو بالأساس فكرة أنتجتها أحد أكثر العلوم جنونا: الفيزياء النظرية. وهذا العلم إضافة لجنونه فهو مجال ثوريّ، فكلما نتجت نظرية وثبتت صحتها انبثقت للوجود نظرية أخرى تحاول أن تحل محلها وتكون أكثر تفسيرية، فتعارضها في بعض الأمور نتيجة بعض الاختلافات، واحدة من هذه النظريات: نظريّة الكوانتم التي نتجت بداية القرن العشرين، هي في الواقع مجموعة من النظريّات التي بعثرت أوراق الفيزيائيين حين صدورها، وما إن حاولوا إعادة ترتيبها حتى جاء لنا آينشتاين بالنسبيّة العامّة سنة 1915، وقتها كان هناك سجال بين أنصار النظريّتين، إلّا أنه مع مرور الوقت ثبتت صحة كلتيهما في مجالات مختلفة، وللمفارقة فإن وجود الثقوب السوداء هو الأمر الأساسي الذي تنبأت به النظريتين معا منذ 100 عام.

تنبأتا بوجوب وجود أجسام ذات كتلة وكثافة فائقتين بحيث تمتص كل ما حولها ولا يمكن لشيء أن يفلت من جاذببتها !

  • إن لم تكن تتكلم عن امرأة حسناء، فإن الإفلات من جاذبية أي جسم أمر ممكن نظريا، كل ما نحتاجه هو السرعة المناسبة: إن كنت تريد الإفلات من جاذبية الأرض فعليك أن تنطلق بسرعة متزايدة حتى تخرج من مجال جاذبيتها كما تفعل الصواريخ، وكلما زادت الجاذبية كلما كانت السرعة المناسبة للإفلات أكثر.

آينشتاين يشكرك على توضيح ما لم يكن يعلمه يا عبقري! في الحقيقة كلامك صحيح إلى حد ما، لكن فيه خطأ جوهريّ سأبينه لك. صاحبنا الثقب الأسود لديه جاذبية كبيرة إلى درجة أنه يمتص كل ما حوله مهما كانت سرعته. لو تدخل في مجال جاذبيته فلا أمل في عودتك، سيمتصّك إلى مركز الثقب، والطريق إلى المركز هو التجسيد الحقيقي لـ”طريق السد اللي تدي ما ترد” طريق تسقط فيه النجوم و الكواكب بلا رجعة، ولهذا سمّي ثقبا -إن كنت تلاحظ-، كما أنه سمي أسودا لأنه لا يفرق معه إن كان ما يمر حوله له أو لغيره فهو لا يسمح لضوئه الخاص بالانفلات حتى. وإن فهمت هذا فوجب أن تكون قد أدركت السبب الذي يجعل الثقب الأسود غير مرئي، فرؤية جسم تتطلب أن ينطلق منه ضوء أو يرتد عنه إلى أعيننا. عليك في المرّة المقبلة أن تنتبه حين تتحدّث عن السّرعة بشكل مطلق، آينشتاين لن يسامحك!

  • حسنا إذا، أتوقع أن كاثرين فشلت في تصوير ما لا يمكن تصويره! وبالتالي لا وجود لما توهم آينشتاين وجوده!

ليس تماما فمهمتها لم تكن تصوير الثقب الأسود بالمعنى الحرفي وإنما تصوير ظله، وقبل أن تعلم إن كانت فشلت أم لا، فدعني أخبرك أن العلماء قد ثبت لديهم وجود الثقوب السوداء عبر دليلين كبيرين، الدليل الأول كان بمراقبة مسارات النجوم في قلب مجرتنا درب التبانة، فتيقنوا بعد سنين من الرصد أنها تدور حول جسم صغير نسبيا جسم كبير الكثافة والجاذبية وفي نفس الوقت صغير الحجم، وثاني الأدلة هو رصد لموجات الجاذبية التي يعتقد أنها حدثت نتيجة اندماج ثقبين أسودين سنة 2016.

  • توقف لحظة! ما دام العلماء قد تمكنوا من رصد النجوم في قلب المجرة، فلم لم يتمكنوا من تصوير الثقب الأسود!

اسمح لي بمعاكستك كل مرة، لأن العلماء قد تمكنوا فعلا من تصوير الثقب الأسود بقيادة كاثرين بومان يوم الأربعاء 10 أفريل 2019، أما سؤالك فهو مهم فعلا. الثقب الأسود (إن كنت تذكر) جسم صغير نسبيا وقد شبهت عملية تصويره بعملية تصوير حبة برتقال على سطح القمر! وإن كنت لا تعلم فإن أدق صورة للقمر التقطها البشر بها 13 ألف بيكسل، وكل بيكسل (أصغر وحدة في الصورة) يمكنه أن يحتوي على مليون ونصف برتقالة، هل تتخيل!

  • (فتح فاه بشكل يسمح لبرتقالة كاملة بالدخول ثم قال) لقد تمكنت من إبهاري فعلا! وكيف تمكنوا من رؤية البرتقالة السوداء؟


حسب حسابات العلماء فإن الوصول إلى هذهالدقة العالية يتطلب تلسكوبا راديويا بقطر الأرض (أكبر تلسكوب موجود قطره نصف كيلومتر) ولكن تمّ حل هذهالمشكلة عبر جمع بيانات من “مقراب أفق الحدث” الذي هو مجموعة من التلسكوبات الموزعة على الأرض بطريقة تجعل دمجها يشكل لنا صورة كاملة (تماما مثلما تفعل كاميرا 360 درجة)، لك أن تتخيل كمية العقبات التي ستواجه هذه العملية في الواقع، أولا يجب أن تجمع البيانات في نفس اللحظة بدقة جزء من المليار في الثانية، ثانيا يجب أن يكون الجو صافيا طيلة مدة التقاط البيانات (10 أيام سنة 2017)، ثم يجب أن يتم نقل الكم الهائل من المعلومات من كل المراكز إلى مكان معالجتها (أحد هذه المراكز موجود بالقطب الجنوبي واستغرق وصول المعلومات منه 6 أشهر نظرا لتعطل الرحلات الجوية)، كما أن هناك عقبات في الفضاء أيضا، فلكي نرى ظل الثقب الأسود علينا أن نرى الضوء الصادر من الاحتراقات الحادثة حوله، أي أن لا تتم عرقلة هذا الضوء عبر الغبار الكوني أو عبر الغلاف الجوي للأرض. بعض هذه العقبات تم تجاوزه بالعلم كمشكلة التزامن إذ استعملت ساعات ذرية، وكي لا أطيل عليك يمكنك البحث عن هذا الموضوع (طريقة أخرى لقول أني لا أعرف الكثير عنه😅) أما باقي المشاكل المذكورة فتم حلها بدعاوي الوالدين (أوالحظ كما يصطلح عليه 🙄).

  • حسنا هنا نتحدث عن 10 أيام للتصوير. وقد حدثت فعلا قبل سنة منإطلاق النتائج، فلم تم إطلاق النتائج مؤخرا فقط؟ أشم رائحة مؤامرة 😏

التصوير كما تعلم ليس تصويرا فوتوغرافياعاديا إنما التقاط لموجات راديوية ذات تردد معين، ثم يتم حمل تسجيلات الموجاتالراديوية التي بلغ حجمها 5 بيتابايت او 5 ملايين جيچا بايت (ربما ما يعادل فيديو لحياتك كاملة بدقة عالية 😂)، يتم حمل هذا الكم الهائل من المعلومات إلى كمبيوترين فائقين supercomputers أحدهما موجود بمعهد MIT بأمريكا والآخر بألمانيا، ثم عملت على هذه البيانات 4 فرق بشكل منفصل لنصل في الأخير إلى 4 نتائج لصورة الثقب الأسود، وكانت النتائج متطابقة تماما! وكان فريق العمل في كامل البحث يتكون منأكثر من 200 عالما من مختلف الجنسيات، ترأسهم كاثرين عالمية كمبيوتر!

  • لا تزال رائحة المؤامرة تعبق في الأرجاء! ما دور كاثرين بينالرجال علماء الفلك!

كاثرين في الحقيقة هي واحدة من الذين قاموا بتصميمبرنامج الكمبيوتر الذي يسمح بمعالجة كل المعلومات واستخراج الصورة النهائية منمجموعة عملاقة من الأرقام الثنائية (0 – 1) الممتلأة بالفجوات والتشويش النّاتج عنالفضاء. ويعتمد البرنامج أساسا على أحد فروع الذكاء الاصطناعي الذي يُعنى بمعالجةالصور. وعلماء الكمبيوتر هؤلاء هم جزء من فريق يتكون من 206 عالم متعدديالإختصاصات والجنسيّات، لكن التركيز على كاتي باومان ربما لكونها أنثى (وهذا أمريجعل المشاهدات تزيد) أو ربما فقط لأنها ظهرت إعلاميّا في محاضرة TED.

  • (أجال رأسه مليًّا) قلت أن جاذبية الثقب الأسود كبيرة جدا لحد أنها لا تسمح للضوء بالانفلات منها، إذا لماذا لا تقوم بامتصاص الضوء الذي حولها أيضا؟ ولماذا لا تقوم بامتصاصنا نحن؟!

الجزء الأول من السؤال يدل على أنك لا تزال تملك عقلا. لكن الجزء الثاني يجعلني أشك في هذه النتيجة! لا يمكن للثقب الأسود امتصاصنا ببساطة لأنه بعيد جدا عنا، يستلزم الوصول إلى أقرب ثقب أسود إلينا أن نسير بسرعة الضوء لمدة 25 ألف سنة. وكما تعلم فإن جاذبية الثقب الأسود على عظمها إلا أنها محدودة، مجال تأثيرها يدعى بأفق الحدث، إذا دخل أي جسم في أفق الحدث انعدم ذكره وصار لا حدث 😅 بل زيادة على ذلك فإن الضوء إن اقترب من الثقب الأسود دون الدخول في أفق الحدث فإنه ينحني (أعلم أنك ستقول مرة أخرى هذا جنون، لكن سأوفر عليك بضع سعرات حرارية) نعم هذا جنون، الضوء في الواقع لا يمشي إلا في خطوط مستقيمة. لكن الثقب الأسود يجعل نسيج الزمكان حوله منحنيا فتصبح الخطوط المستقيمة منحنية! الأمر أشبه بأن ترسم على ورقة بيضاء خطًّا مستقيما ثم تحني الورقة نفسها.

  •  الأمور تصبح معقدة بعض الشيء! لنعد إلى موضوعنا، المؤامرة: ألا يجوز أن يكون الأمر مجرد مسرحية مثل مسرحية الهبوط على القمر؟ في النهاية مالذي رآه العلماء؟

الشيء الذي رآه العلماء هو صورة للثقب الأسود العملاق المتواجد في قلب المجرة M87 على بعد 55 مليون سنة ضوئية! هذا الثقب على صغره فلكيًّا إلا أن حجمه يفوق حجم مجموعتنا الشمسية بشمسها وكواكبها والفراغ الهائل بينها جميعا! وأكدت هذه الصورة وجود الثقوب السوداء بشكل قاطع أولا، ثم أكد شكل أفق الحدث الدائري تماما صدق تنبؤ آينشتاين في النسبية العامة بشكل خاص. وبالطبع هذه خطوة كبيرة في الفيزياء النظرية، قد لا نرى أثرها على الواقع مباشرة كما لا نرى أثر الدالة مربع مثلا في حياتنا اليومية، لكن تطبيقاتها الغير مباشرة سنراها ضمن تكنولوجيات مستقبلية ربما، وليست مؤامرة أنّهم التقطوا صورة لقلب المجرّة البعيدة ولم يتمكنوا من التقاط صورة لقلب مجرّتنا، ببساطة لأن الثقب الأسود الموجود بقلب مجرّتنا حجمه 4 مليون كتلة شمسيّة، فيما أنّ صاحبنا الذي صوّرناه حجمه 6,5 مليار كتلة شمسيّة.

  • ومع ذلك رائحة المؤامرة تكاد تخنقني 😔!

تفقد باب الحمام! … أحسن؟

أحسن😁.


مجموعة من الروابط للإستزادة:

أفِد غيرك! شارك التدوينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *