قهوة سياسيّة

بدأت في كتابة هذه التّدوينة بعد أول جمعة للحراك السّلمي الشّعبي 22 فيفري 2019م، بهدف تدوين آرائي، ولمّا تحقّقت بعض التوقّعات فيه رأيت أني سأنشره دون أي تغيير في الأفكار بدلًا من التعديل وإعادة التعديل.

السياسة صباح ربي 

بداية إيموجي الامتعاض هذا، لا يمثل شعوري تجاه كون الكل أصبح يتحدث في أمور السياسة في كل وقت وفي كل حين، وإنما هذا هو الشعور السائد، إلا أني أرى أن كون الجميع أصبح مهتما بالسياسة هي فرصة نادرة لبث الوعي السياسي ونشره لأقصى الحدود. قد نعتقد أن غالبية الناس الآن تتحدث عن السياسة من باب التلذذ وإشباع الفضول، لكن في الحقيقة وراء هذا الفضول رغبة لمعرفة الحقيقة وفهم كيف تجري الأمور، وكذلك محاولات للتنبأ بمصب الأحداث، وفي النهاية سيتصرف كل فرد وفق ما يراه. ولأن التصور أساس السلوك، فتصحيح التصورات مهمة جوهرية في هذه الآونة، ولا يغفل عن هذا عاقل.
في الأسطر التالية سأكتب مقتطفا من تصوراتي الشخصية كشاب جزائري لا يفقه السياسة، وأرجو بعد هذا أن يصحح لي من يفقه أكثر مني، إلا أن الهدف الأكبر أن أسجل آرائي ليمتحنها الزمن.

حتى الشيطان لا يفهم السياسة الجزائرية!

هذه المقولة وما يشاكلها تنسب لسفير سابق للولايات المتحدة الأمريكية بالجزائر، وغالبا ما يستشهد بها الجزائريون للتندر بخبث النظام، وإتقانه حبك الألاعيب السياسية. لكن المحللين السياسيين والمطلعين على خباياه، يقولون أن سبب صعوبة التنبأ بالمسارات التي سيسلكها النظام الجزائري هو كونه لا يخضع لمنطق معين وإنما يتم تسييره بواسطة عصبة صغيرة من الأفراد لا يملكون ايديولوجيا ولا منطق، بل يمتازون بالمزاجية وردود الأفعال الصبيانية، همهم الأول الحفاظ على مصالحهم، والباقي إلى الجحيم.

رابطة المصالح ورابطة الخوف

يتساءل السائل هنا، إن كان الرأس الأكبر في الجزائر طفولي فكيف تمكن من التحكم في بلاد كبيرة بحجم الجزائر، وكيف سمح له الأحرار وأبناء الشهداء ورجال الجزائر بتولي مقاليد الأمور؟ … الجواب في الواقع له جذور في التاريخ، إذ حدثت خلافات كثيرة خلال الثورة الجزائرية وبعدها بين السياسي والعسكري، انتهت في الأخير بتحكم العسكر والجنرالات في السياسة، وأصبح هذا النظام لا يسمح لأحد بتقلد المناسب الكبرى إلا إن أعلن فروض الولاء له وأثبت لاكفاءته لئلّا يكون منافسا فيما بعد، فحكَم هؤلاء بالمصلحة، وخوَف كل من عارض الحكم العسكري بالدبابة واليد الحديدية، فحكم هؤلاء بالخوف. كما أنّ كلّ الروابط بين أيّ نقطة في هرم السّلطة والنّقطة أسفلها هي رابطة الخوف بالدّرجة الأولى إذ تنتج عنه الطّاعة العمياء، ثم رابطة المصلحة التي ينتج عنها التودّد و “الشيتة”.

أمّا العلاقة بين كل نقطة وما يليها من النقط في نفس المستوى فهي علاقة التّنافس في الشيتة لأجل الارتقاء “في الوحل” وعلاقة المداهنة من أجل الثبات والرّسوخ. وواضح أنّ هذه الرّوابط هشّة ولا يمكن لها أن تدوم طويلا في حال سقطت الرؤوس الكبرى.

تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى

وبما أن هؤلاء الذين أفسدوا في البلاد لا يفكرون في غير مصلحتهم فمن الطبيعي جدا أن تتعارض مصالحهم، فيستقوي كلَ ذي نفوذ على غيره، فأدى هذا إلى نشوب صراع الأجنحة كما يسمى، ويتجلى هذا الصراع أحيانا في أحداث معينة، لكن النظام عادة ما يظهر لعموم الشعب على أنه متماسك متآزر، وبالطبع هذه الصورة الموجودة في الأذهان تقوي من نفوذ كل الأجنحة وتسمح لأياديها بالنهب والاختلاس بلا خوف من رقابة أو محاسبة، فمن ذا الذي يقوى على مواجهة عملاق ذو رؤوس وأيادي كثيرة يمسك بكل السلطات، ويسير كل قوة موجودة في البلاد من شرطي المرور إلى قائد الجيش.

لكن لحسن الحظ، النظام الحقيقي ليس بهذا الشكل الأسطوري، وإنما هو مجموعات عصابات تتجاذب الحكم بينها، وفي تجاذبها وتدافعها، تحق الحق حينا وإن كان من أجل الباطل.
كما لا ننس فكرة مهمة جدا، هي أن هذا النظام على فساده وعفنه فداخله أحرار وأناس يسعون لنفع البلاد والعباد. ليست يدهم هي الطولى نعم، لكنهم موجودون وفي الفرصة المناسبة سيتسلمون مقاليد الأمور. وهذه الفكرة من أكثر ما يعطي للحراك الشعبي هذا الأيام دعما وسندا ومعنى.

#لا_للعهدة_الخامسة

هذا الشعار وهذا المطلب يبدو أنه لم يتحقق لحد الساعة، لكن إذا صدقنا بما يردنا ممن يدعي الاطلاع على ما يجري وراء الستار، أيقنا أن هذا المطلب قد تحقق يقينا، ولا يمكن أن تتم الخامسة إلا على جثث الجزائريين، وهذا ما لا يريده عاقل من الشعب ولا عاقل من النظام (تنتفي صفة العقل عمن تحدث عن مواجهة الجماهير بالسلاح). وكذب من يقول أنهم لا يسمعون لصراخ الشعب، بل صراخ الشعب قد أذهلهم حتى ذهبت عقولهم، وإن أردنا تشبيهه لشبهناه بالنور الأبيض الساطع لما تباغت به أرنبا يتسكع في الظلام، فتراه وقد ذهب عنه البصر وصار يمشي على غير هدى.

لو يهدأ الشعب بعد تحقق هذا المطلب ويسمح للعصابة بالاستمرار في الحكم أمر خطير جدًّا. رغم أنه بمثابة إعادة اعتبار لصوت الشعب. لكن من المتوقع أيضا أن تستدرك العصابة الوضع فتحكم قبضتها أكثر وأكثر وتضيق على الحريّات وتطارد الناشطين السياسين والفاعلين من الشباب وغيرهم، فتحول الجزائر إلى سجن كبير مثلما حدث في مصر.
لذا لا بد من الفطنة والرقي بمستوى آمال الشعب وتطلعاته فيكون هدف الحراك إسقاط العصابة وكل البطانة الفاسدة بقوة السلم وقوة الشعب.

شعب عاطفي أم شعب واع؟

طريف لو نعلم أن أكثر المترشحين للرئاسيات شعبية هم أشخاص لهم ماضي درامي-فكاهي، ( رشيد نكاز وطاهر ميسوم بخرجاتهم المجنونة، وغاني مهدي ببرنامجه الساخر)، ربّما يشير هذا إلى طبيعة شعبنا العاطفيّة، ككلّ شعوب العالم. المبشّر في الأمر أنّ الشّعب الجزائري لم يعد يسمح –نسبيًّا- للنّظام وأزلامه بالتّلاعب بمشاعره بطريقة مباشرة، إلّا أنّ التلاعب لا يزال جاريًا عبر وسائل التّواصل الاجتماعي للتأثير على الشباب خاصة، وبواسطة وسائل الإعلام التقليديّة للتأثير على عموم الشّعب.

كما أنّ المراقب للأحداث يشاهد نوعًا من الإنصات لصوت العقل والعقلاء، رغم زوابع الأخبار الكاذبة والدّعايات الإعلاميّة المضلّلة، وفوضى “البارطاج” إلّا أنّ صوت العقل دائما ما يسمع له، كما لم يعد من السّهل لكلّ من دعم السّلطة أو هاجم الشعب أو أحد مقوّماته سابقًا أن يتموقع من جديد. وكلّ هذه المؤشّرات تدفعنا للقول أن الشعب صار أكثر وعيًا، فوعي الشّعب يقاس بمدى وعي-وتأثير نخبته.

رغم هذا التّفاؤل إلّا أنّ الصّدمات المتكرّرة، والأخبار المتتابعة المتسارعة، والقرارات العشوائيّة، التي تربك أكثر العقول رزانة، من الممكن أن تؤثر على هذا الوعي وتجعله أكثر عاطفيّة، وقد تسبّب له اضطرابات إدراكيّة فكريّة. فصبر ورزانة العقلاء هما العاملان اللذان نعوّل عليهما.

أحرقت غرداية لتمرير الرابعة؟!

صراحة لا أفهم المعنى من هذا الكلام، هل المقصود أن الحكومة أرهبت الشعب بأحداث غرداية لكي يبقى مستسلما ولا ينتفض على العهدة الرابعة خوفا من أن يلقى نفس مصير الدول العربية؟
إذا كان هذا هو المقصود بالمقولة فلا أظن أن هذا صحيحا، لأن الآلة الإعلامية لم تتحرك في هذا الإتجاه، وغالبية الشعب الجزائري (كما أرى من وجهة نظري الضيقة) لا تعلم أساسا مالذي حدث في غرداية! كما أن الشعب كان خائفا مسبقا ولم تَحتْج الحكومة حينها إلى بعبع جديد!
ربما الرأي الذي يتبادر إلى الذهن من بين الإمكانات الكثيرة أن الأمر كله في إطار الصراع بين أجنحة السلطة فتكون أحداث غرداية المفتعلة ( وهو ما تشير إليه الوقائع) استعراض للقوة من طرف أحد الأجنحة ، وتأكيد على قدرته على إشعال الفتنة في أهدأ مناطق الوطن، من أجل إعادة التموقع.

أفِد غيرك! شارك التدوينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *